عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

373

اللباب في علوم الكتاب

وقرأ أيضا في الجاثية [ آية : 6 ] فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون : بالخطاب ، وافقهما عليها الكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، والباقون : بالياء للغيبة ، فتحصّل من ذلك أنّ ابن عامر ، وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين ، وأن نافعا ، وابن كثير ، وأبا عمرو ، وحفصا عن عاصم ، بالغيبة في الموضعين ، وأنّ الكسائيّ ، وأبا بكر عن عاصم : بالغيبة هنا ، وبالخطاب في الجاثية ، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السّورتين والآخر في أخرى . فأما قراءة الخطاب هنا : فيكون الظّاهر من الخطاب في قوله : « وَما يُشْعِرُكُمْ » أنه للكفّار ، ويتّضح معنى هذه القراءة على زيادة « لا » أي : وما يشعركم أنكم تؤمنون ، إذا جاءت الآيات الّتي طلبتموها كما أقسمتم عليه ، ويتّضح أيضا على كون « أنّ » بمعنى : لعلّ ، مع كون « لا » نافية ، وعلى كونها علّة بتقدير : حذف اللّام ، أي : « إنما الآيات عند اللّه فلا يأتيكم بها ؛ لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون بها » ويتّضح أيضا على كون المعطوف محذوفا ، أي : « وما يدريكم بعدم إيمانكم ، إذا جاءت الآيات أو وقوعه ؛ لأن مآل أمركم مغيّب عنكم ، فكيف تقسمون على الإيمان عند مجيء الآيات ؟ » وإنّما يشكل ؛ إذا جعلنا « أنّ » معمولة ل « يشعركم » وجعلنا « لا » : نافية غير زائدة ؛ إذ يكون المعنى : « وما يدريكم أيّها المشركون بانتفاء إيمانكم ، إذا جاءتكم » ، ويزول هذا الإشكال بأنّ المعنى : أيّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم ، إذا جاءتكم الآيات الّتي اقترحتموها ؟ يعني : لا يمرّ هذا بخواطركم ، بل أنتم جازمون بالإيمان عند مجيئها ، لا يصدّكم عنه صادّ ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها ؛ لأنكم مطبوع على قلوبكم . وأمّا على قراءة الغيبة ، فتكون الهمزة معها مكسورة ؛ وهي قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، وأبي بكر عن عاصم ، ومفتوحة ؛ وهي قراءة نافع ، والكسائي ، وحفص عن عاصم . فعلى قراءة ابن كثير ومن معه يكون الخطاب في : « وَما يُشْعِرُكُمْ » جائزا فيه وجهان : أحدهما : أنّه خطاب للمؤمنين ، أي : « وما يشعركم أيّها المؤمنون إيمانهم » ثم استأنف إخبارا عنهم بأنّهم لا يؤمنون ، فلا تطمعوا في إيمانهم . الثاني : أنه للكفّار ، أي : « وما يشعركم أيّها المشركون ما يكون منكم » ثم استأنف إخبارا عنهم بعدم الإيمان ؛ لعلمه السّابق فيهم وعلى هذا ففي الكلام التفات من خطاب إلى غيبة . وعلى قراءة نافع يكون الخطاب للكفّار ، وتكون « أنّ » بمعنى : « لعلّ » كذا قاله أبو شامة ، وغيره . وقال أبو حيّان « 1 » في هذه القراءة : « الظّاهر أن الخطاب للمؤمنين ، والمعنى : « وما

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 205 .